القبائل والحاضرة
والناظر في تاريخ القبائل كل القبائل العربية وغيرها يرى ضياع الرأي السديد
والتصرف الحسن وعدم القدرة على فهم الأمور والتغيرات والتكيف معها والاندماج في المجتمع الجديد
وهذا السلوك سلوك إفراد القبائل في عدم معرفة الواقع الجديد نتج عنه مع عوامل أخرى ليست من صنعه صراعا خفيا بين البادية والحاضرة لان كل من الطرفين ينظر إلى الآخر نظرة دونية لا اعتبار فيها للآخرين فتولد عنه مصطلح لحضري والبدوي الذي سعى كل منهما في أن يحوز المناصب الهامة وان يحتكرها قدر مايستطيع وكانت الغلبة بالطبع للحاضرة لما لديهم من أدوات هامة في مثل هذه المجالات ففي أيديهم التجارة والصناعة فالذين بسطوا نفوذ تجارتهم في العراق والشام وفلسطين ومصر والهند ووصلوا لرئاسة الغرف التجارية كما في البصرة زمن العقيلات وسمي جانب الكرخ في بغداد فترة بصوب عقيل لا يعجزهم أن يستحوذوا عليها في مدن مثل حفر الباطن وعرعر . واهم من ذلك امتلاكهم العلم قوام الدول وأيضا القدرة على العيش في بقعة من البلاد دون التذكير في عملية الاستقرار ولهذا يندر أن تجد من أبناء القبائل من يكون مديرا لجامعة أو محاضرا أو معيدا أو قاضيا في محكمة.وهذه بذاتها التي تجرح أكثر من غيرها فالاستئثار له مايبرره من نظريات وأفكار السياسة والحكم والملك إلا الدين فإنه لايبرر إلا العدل والقسط ، إما مايصنعه مختاروا القضاة في تفضيل لا بل الحصر القضاء في منطقة دون غيرها بل وفي حاضرتها دون باديتها فهذا ماليس له سند من الشرع والعقل وهنا كانت المرارة أن يلصق أهل الدين بالدين ماليس منه وسط سكوت نخبة من أهل الفضل والصلاح من أبناء هذه المنطقة الذين يرون هذا ولا يذكرونه وان حصل من بعضهم فعلى حياء شديد ولمرات قليلة يتيمة وهذا أول مايصدم طالب الشريعة في أول سنة يقضيها في الكلية حين يرى أن الأمر ليس أمر دين بل هو عنصرية بغيضة شنيعة ماكان لمنتسبيه للعلم الشرعي أن يقعوا فيها وخاصة وهم المثال الذي يراه ويحبه والنموذج الذي يدافع عنه ويعتز به فلطالما انتشى بعلمهم وحفظهم وتقواهم ونشر هذا بالآفاق معجبا ومبهورا فيتخرج وقد تغيرت لدية أفكار عديدة عن العلم وأهله وان ليس كل مايلمع ذهبا وان العلم والقضاء ونجد مظلمون بهؤلاء والأمر المثير للسخرية حقا تخوف بعض من أبناء القبائل وتحرجهم من أن يتم اختيارهم واولائك مافكروا فيهم لحظة
هذا كله ولا تزال أثاره باقية وستظل إلى حين فقل التزاوج بينهم لان كل منهم يرى الآخر ليس كفؤا له ومع تقدم الأيام وتمكن الحضري من ترسيخ قدمه في مصالح الدولة وتغلغله في مؤسساتها وإيثاره ذويه وفئته تبدل حال البدوي فاصبح يبحث عن رضى الحضري ولا يأنف قلة منهم من أن يرضوا بزواج بناتهم أو أخواتهم زوجة ثانية له بعد أن كان لا يهتم له ولا يعيره بالا ويراه مثالا للجبن والخور والميوعه وقل البلاهة فكم من مره غشه في بيعه أو شروه وعاد بعدها جذلان فرحا وفي ماضي الزمان غزاه ونهبه . أما الحضري اليوم فظل على حاله يرى البدوي ليس أهلا أن يصاهرهم كما فعل ذاك وهو اليوم اشد تعصبا وعنصرية من تعصب البادية وعنصريتهم السابقة. والمفجع في الأمر أن الحاضرة تدثروا بدثار التدين الذي يرضخ له الناس وبسببه يطيعون ، أما وقد تدثر به الآخرون فهنا وقع التباين بين الفريقين وماعاد لأحد فضل على الآخر وهذه العصبية الحضرية مستعصية الفهم فأبناء القبائل الذين دارت فيما بينهم المعارك ووقع القتل وسفك الدم وقامة الثارات عادوا بعد توحيد المملكة على يد الملك عبد العزيز رحمه الله إخوانا متجاورين متصاهرين وابتدأ أولائك عصبية جديدة .........
دمتم بود